"باب الحارة" أنموذجاً: دخل بيوتنا خلال عامين، وهذا كفيل بتخصيص مكانٍ في القلب له. رُسِمَتْ شخصياتُه ببراعة وجمال، فـ "معتز" شابٌّ شجاع لا يحتمل الإهانة، و "دلال" فتاةٌ في غاية الأدب والحنان واللطف، هناك أيضاً شخصية "أبو شهاب" وهو الرجل القوي ذو الهيبة التي تخيف الرجال. أيضاً "جميلة"، "بشير" وَ "خاطر" . كلُّها شخصيات رُسِمَتْ بعناية لتنال حب الجمهور.
والمشكلة، أنّنا نحبهم. والمشكلة الأدهى، أنّ هذا يحدث بعنف أحياناً.
أقصد، لابُدّ وأنّه من المؤلم أن تحب شخصاً بعيداً عنك. ولكن الأشدَّ إيلاماً، أن تحبَّ شخصاً غير موجود على الإطلاق في هذا العالم. من المؤلم، أن يكون في قلبكَ متّسعٌ لأشخاصٍ وهميّة، اخترعها خيال.
فهل يوجد بيننا على أرض الواقع شخصيّة كـ " أبو شهاب" أو كـ " معتز" ، وهل توجد فتاة بلطف " دلال " مثلاً؟ لا يمكن التوصُّل إلى إجابة مريحة. ولكن الذي يظل يقلقنا ويؤلمنا، أننا أحببنا هذه الشخصيات ونريدها معنا. وعندما نبحث عنها بين الناس، لا نجدها.
هل شاهدتَ المسلسل الأميركي "Prison Break" ؟ هذا المسلسل أشدُّ إيلاماً. لأنّك ستقع في حبِّ شخصيّةٍ يصعب الحصول عليها في أرض الواقع أكثر بكثير مما يصعب الحصول على شخصيات مسلسل "باب الحارة".
بطل المسلسل الأميركي هذا، هو شابٌّ ثلاثيني ، مهندسٌ ناجح، وغير متزوّج. يضحِّي بمستقبله من أجل أخيه. فيزجّ بنفسه في ذات السجن الذي سُجِنَ فيه أخيه الذي ينتظر حكماً بالإعدام، محاولاً تهريبه من السجن. ومادامتْ هي محاولة غير مشروعة قانونا، فهي لا تبتعد عن الخطر الكامن في إضافة 10 سنوات سجناً فيما لو تمّ الإمساك بهما، مما يعني خسارة أجمل سنوات عمره، من أجل حياة أخيه. ناهيكَ عن المصاعب والأعمال الشاقّة التي قام بها من أجل ذلك.
كيف يمكنك ألا تقع في ورطةٍ عاطفية مع شخصيةٍ كهذه ؟
وكيف يمكنك ألا تبحث عنها وتودّ مشاركتها ولو جزءاً من حياتك ؟
السؤال الآن: هل يوجد شخص في كل هذا العالم مستعدٌّ لفعل ذلك من أجل أخيه ؟
مَنْ في هذا العالم يمكنه أن يصبح بهذا الجمال؟
أن يخلع نعليه ويلبسهما أخيه ويتأذّى هو من الأشواك ؟
يصعب كثيراً الحصول على إجابة.
الطريف أنّ بطل المسلسل يتلقّى الكثير من عروض الزواج على مواقع الإنترنت من فتياتٍ شغفن به وأحببنه. لكنّهن يجهلن أنّهن عشقن الشخصية التي أدّاها، لا الممثل نفسه. فلو أدّى شخصية شريرة، لأبغضوه.
لذا، أيُّها الكُتّاب، كفُّوا عن إيذاء قلوبنا ومشاعرنا، ارسموا شخصياتٍ حقيقية تعيشُ بيننا، شخصياتٍ تصيب وتخطئ، وتقع في المتاعب ولا تخرج منها. شخصياتٍ تقترف الذنوب والخطايا ويمكن أن تظلم أحداً، فيكرهها بعض الناس، يسبّها بعض الناس، شخصياتٍ مثلُـنا.








