شيءٌ ما يحترق!

ما الذي يحترق؟
لا، لا أعرف.
هناك رائحة شواء، في كل مكان. كلما أردتُ أن أفرّ منها، وجدتُها من جديد. لا ملجأ. هذا الاحتراق في كل مكان. في الشرق، وعبر خطوط الاتصال تصلني روائح احتراق من الغرب والشمال والجنوب وكل، كل مكان، يحدنا.

ما الذي يحترق بالضبط؟
أووه.. يا للتعاسة !
إنها أعصابنا، عقولنا، وأجسادنا لاحقة.

يجب، يجب أن نشتعل. هو أمرٌ ضروريٌّ لا يمكن الفرار منه. لن تستطيع أبداً أن تقرر الهروب من هذا الذي تسبب في حرقك.أبداً، هو تعذيبٌ لازم.

فشكرا لهؤلاء، شكرا لأنهم يحبون احتراقنا، ويمارسونه ببرود، ودائماً يعطون وعودا لا تتحقق. شكراً.. متى يا تُرَى ستبعثون الدواء؟ متى تُبعث " قريباً " من جديد وتتشكّل بجسمٍ أحلى وأنضج ؟


.....  والاحتراقُ يعقبُه بَعْث.
فأيُّ بعثٍ بالتحديد سيزورنا؟
لأنّه، مهما يكن...لابُدَّ من بعث عند محطة ما.

 
 
ثرثرة نتجت من انتظاراتٍ طويلة لفتح باب الابتعاث في برنامج خادم الحرمين. تعقيباً على الوزارة التي نقضت وعدها و كانت من الذكاء بحيث وضعت"قريبا" ككلمة فضفاضة يمكن أن تحمل ألف ألف معنى! وهنا الخبر في موقع الوزارة http://www.mohe.gov.sa/Detail.asp?InSectionID=7&InNewsItemID=882

..مشاكل..مشاكل...

 
 
 
تطلُّ المشاكل برأسها من خلال نافذةٍ مواربة أو حتى مغلقة. تدقُّ باب بيتك وتوقظك من النوم، أو تلاقيك في متجرِ أو صالونِ ما، وقد تمدُّ يدك لمصافحتها غفلةً.
تفاجِئك المشاكل، فتعكِّر صفو أيامك. ماذا ستفعل؟
 
أنتَ ضمن أحد الصنفين:
 
1. إمّـا أنّـك ستعتبرها قذارة لا تستحق الالتفات إليها فتلقي بها في حاوية القمامة. لأنّ المشاكل ما هي إلا قمامات. لكنّك تغفل أمراً واحداً، وهو أنّ للقذارات رائحة تزداد نتونة بمرور الأيـّام ما لم تتخلّص منها نهائياً. ولذلك، ستتأزّم مشكلتك وتبلغ درجاتها العليا، ووقتها فأنتَ مُطَالَب بتحرُّكٍ سريع وشافٍ.
وهؤلاء في العادة هم أصحاب الحياة الهادئة الذين تشقيهم مجرّد كلمة " مشكلة " والذين يحاولون الهروب من المشاكل حتّى لو كلّفهم ذلك تقديم تنازلات .
هؤلاء في الغالب يحسنون الظن بالناس دائماً، وفي الحقيقة، هذا ما يوقعهم في المشاكل في أغلب الأحيان.
 
2. أو أنّـك ستكون أشد شراسة من المشكلة بحد ذاتها. إذا دقَّت عليك المشكلة باب بيتك وقت الظهيرة فستقوم مجبراً من قيلولتك غاضبا، ستمسكُ برأسِ المشكلة أمامك وترجّه وربّما تصقع بهذا الرأس جدار السور والباب. وهذا التصرُّف سيؤدي إلى أحد أمرين:
  أ- أن تشتد المشاكل ضراوة، وفي هذه الحالة ستموت أنت قبل أن تُحَلَّ المشكلة.
 ب- أن تلبس المشكلة طاقيتها خوفاً منك، تنحني لك، تقدم اعتذارها وندمها الشديدين وتغادرك دون رجعة. وفي هذه الحالة تكون قد ربحت.
 
 
بقي طبعاً صنف واحد:
وهو الحكيم الذي سيتصرّف بكياسة وسياسة تضمن له حقوقه وتريحه من أذى المشكلة في آن.
ولا أظنّك من هذا الصنف، فاختر لنفسك أحد الصنفين الماضيين وارضَ بهما.
.
واعذرني
.
فكلنا تؤذيـنـــا المشاكل
.

لا هدهدة تهطل ! -قصة قصيرة-

ما هو ؟ الأشدُّ جمالاً من جديلتها ذات الخمسة أعوام، تتمايل، بينما تعبر بحذرٍ وضحك مجرىً صغيراًَ لنهر.؟.

ما هو ؟ الأشدُّ بهاءً من ذراعيك تتأهبان لاستقبالها عند الضفّة الأخرى؟

يمكن دائماً، للأمور الجميلة، أن تقع.

 

عندما عانقتْك بحبور، وأهديتها بعض القُبَل، تمسّكت بك جداً، أردتَ أن تبعدها لتكملا المسيرة، لكنّها لم تتحرّك، وهذا الأمر، زادك سروراً وبهجة، فحملتَها بحذرٍ شديدٍ ونهضت، فيما تحاول بيدٍ أخرى أن تنفض ما علق ببنطالك.

يمكن دائماً، للبهجة، أن تتسع أكثر.

 

ثم ابتعتَ لها كوزاً من المثلجات. أظنّك وجدتَها خطوةً أخرى، ليكمل فرحكما مداه.

 

بعدها، بينما أنتما تجلسان على أحد المقاعد، تناولتَ كفها الغضّة، ورحتَ تقرأ لها –كعادتك- تلك الخطوط الـ ما نبتتْ بعد.

" عندما تكبرين يا ابنتي، ستتزوجين رجلاً قوياً، وسيماً، ...تماما، كأبيكِ " .. وتضحكان.

" ستنجبين ثلاثة صبيانٍ وفتاة حسناء .. تماما، بمثل جمالك " .. ويتعالى ضحككما بينما تمد يدَك لتدغدغها حيثما تقدر. فتهربُ منك، تجري وهي تتعثّر كلّما أدارتْ ضحكتها تجاهك، بينما أنت تلاحقها ببطء وتحاول إخافتها بيديك، فيزداد حماسها للجري بعيداً عنك، أكثر.

حالما وقعتْ بين يديك، ضممتَها، ثم رحتَ تحذِّرها من خطيئة هربها منك، بينما تصنع لها أشكالاً مضحكة بوجهك.  ثم أشارت للسماء: " انظر.. انظر أبي". فنهضتَ، واتجهتما نحو رجل ما، ابتعتَ طائرتين ورقيتين بألوانها المفضلة. أمسكتَ يدها، وركضتما وأنتما تراقبان طائرتيكما تخترقان الأجواء. وقتها، كانت الفرحة بالنسبة لكما، قد جاوزت حدَّها.

 

وبهجتكما هذه، تعيدني إلى الشهور الأولى لصغيرتنا، فرحتك بولادتها، لزومك المنزل لرعايتها معي، مراقبتُك نموها، ثم تعليمك إياها الألوان والأرقام، في سنينها الأولى، التي جمعتنا نحن الثلاثة، وأحطتنا فيها بقلبك الدافئ وحبك الكبير. لذا، لم تكن يوماً أباً ولا زوجاً اعتيادياً. فأحببناك، اثنـتانا، ومازلنا.

 

والآن، الشمسُ تغيب، وأنتما مرهقان جداً، ألقيتما طائرتيكما على صخرة ما، وبعيداً عنها، استندتما إلى إحدى الشجرات. وأثناء ذلك، كان ضحكُها، ونَفَسُها المتقطع، هو أسلوبها الوحيد لتقول لك إنّها سعيدةٌ معك جدا.

 

 

 

 

 

بعد دقائق، انتهت نزهتكما، قدتَ السيارة إلى المنزل. وأنا، عبر الشرفة، أراها وهي تضع قُبلَةً على وجنتك، وأنت تفتح لها باب السيارة، وتودِّعها، بينما تمد لها دميةً ابتعتماها سوياً. فأسرعتُ أخبئ طائرتيكما الورقيتين اللتين أخذتهما بمنأى عن أنظاركما، كسارقة. وبينما تنتظر أنت دخولها الآمن، خرجتُ أنا أقف على عتبة بابي، أستقبل ابنتنا وأضمّها، أحيِّيك من بعيد، تُحَيِّيني، وترحل.  بقيتُ أتأمّلُ رحيلك، تخيّلتُك نزلتَ معها أيضاً فأضمك وأقبلك. لكنك، طبعا، لم تفعل.

 

كان يمكن أن أشاطركما كل هذه السعادة والبهجة عن قرب، بدلاً من مشاهدتكما متخفّية، وكفكفة دمعي، في كلِّ مرة.

يمكن دائماً –يا عزيزي-، للأمور الجميلة، أن تصبح أجمل.

 

 

 * ألقيتُها في الأمسية القصصية التي أقامها نادي المنطقة الشرقية الأدبي مساء يوم الثلاثاء 9/2/1428هـ الموافق 27/2/2007م .



<<الصفحة الرئيسية