لا هدهدة تهطل ! -قصة قصيرة-

ما هو ؟ الأشدُّ جمالاً من جديلتها ذات الخمسة أعوام، تتمايل، بينما تعبر بحذرٍ وضحك مجرىً صغيراًَ لنهر.؟.

ما هو ؟ الأشدُّ بهاءً من ذراعيك تتأهبان لاستقبالها عند الضفّة الأخرى؟

يمكن دائماً، للأمور الجميلة، أن تقع.

 

عندما عانقتْك بحبور، وأهديتها بعض القُبَل، تمسّكت بك جداً، أردتَ أن تبعدها لتكملا المسيرة، لكنّها لم تتحرّك، وهذا الأمر، زادك سروراً وبهجة، فحملتَها بحذرٍ شديدٍ ونهضت، فيما تحاول بيدٍ أخرى أن تنفض ما علق ببنطالك.

يمكن دائماً، للبهجة، أن تتسع أكثر.

 

ثم ابتعتَ لها كوزاً من المثلجات. أظنّك وجدتَها خطوةً أخرى، ليكمل فرحكما مداه.

 

بعدها، بينما أنتما تجلسان على أحد المقاعد، تناولتَ كفها الغضّة، ورحتَ تقرأ لها –كعادتك- تلك الخطوط الـ ما نبتتْ بعد.

" عندما تكبرين يا ابنتي، ستتزوجين رجلاً قوياً، وسيماً، ...تماما، كأبيكِ " .. وتضحكان.

" ستنجبين ثلاثة صبيانٍ وفتاة حسناء .. تماما، بمثل جمالك " .. ويتعالى ضحككما بينما تمد يدَك لتدغدغها حيثما تقدر. فتهربُ منك، تجري وهي تتعثّر كلّما أدارتْ ضحكتها تجاهك، بينما أنت تلاحقها ببطء وتحاول إخافتها بيديك، فيزداد حماسها للجري بعيداً عنك، أكثر.

حالما وقعتْ بين يديك، ضممتَها، ثم رحتَ تحذِّرها من خطيئة هربها منك، بينما تصنع لها أشكالاً مضحكة بوجهك.  ثم أشارت للسماء: " انظر.. انظر أبي". فنهضتَ، واتجهتما نحو رجل ما، ابتعتَ طائرتين ورقيتين بألوانها المفضلة. أمسكتَ يدها، وركضتما وأنتما تراقبان طائرتيكما تخترقان الأجواء. وقتها، كانت الفرحة بالنسبة لكما، قد جاوزت حدَّها.

 

وبهجتكما هذه، تعيدني إلى الشهور الأولى لصغيرتنا، فرحتك بولادتها، لزومك المنزل لرعايتها معي، مراقبتُك نموها، ثم تعليمك إياها الألوان والأرقام، في سنينها الأولى، التي جمعتنا نحن الثلاثة، وأحطتنا فيها بقلبك الدافئ وحبك الكبير. لذا، لم تكن يوماً أباً ولا زوجاً اعتيادياً. فأحببناك، اثنـتانا، ومازلنا.

 

والآن، الشمسُ تغيب، وأنتما مرهقان جداً، ألقيتما طائرتيكما على صخرة ما، وبعيداً عنها، استندتما إلى إحدى الشجرات. وأثناء ذلك، كان ضحكُها، ونَفَسُها المتقطع، هو أسلوبها الوحيد لتقول لك إنّها سعيدةٌ معك جدا.

 

 

 

 

 

بعد دقائق، انتهت نزهتكما، قدتَ السيارة إلى المنزل. وأنا، عبر الشرفة، أراها وهي تضع قُبلَةً على وجنتك، وأنت تفتح لها باب السيارة، وتودِّعها، بينما تمد لها دميةً ابتعتماها سوياً. فأسرعتُ أخبئ طائرتيكما الورقيتين اللتين أخذتهما بمنأى عن أنظاركما، كسارقة. وبينما تنتظر أنت دخولها الآمن، خرجتُ أنا أقف على عتبة بابي، أستقبل ابنتنا وأضمّها، أحيِّيك من بعيد، تُحَيِّيني، وترحل.  بقيتُ أتأمّلُ رحيلك، تخيّلتُك نزلتَ معها أيضاً فأضمك وأقبلك. لكنك، طبعا، لم تفعل.

 

كان يمكن أن أشاطركما كل هذه السعادة والبهجة عن قرب، بدلاً من مشاهدتكما متخفّية، وكفكفة دمعي، في كلِّ مرة.

يمكن دائماً –يا عزيزي-، للأمور الجميلة، أن تصبح أجمل.

 

 

 * ألقيتُها في الأمسية القصصية التي أقامها نادي المنطقة الشرقية الأدبي مساء يوم الثلاثاء 9/2/1428هـ الموافق 27/2/2007م .



أضف تعليقا