no title yet

عندما قلتُ: "كل الأرض وطن"، كنتُ لا أزال صغيرة، وكانت خبرتي في الأوطان لا تتعدّى مساحة بيتي وبيوت الأحبة والأصدقاء. اليوم أعرف معنى عبارتي أكثر.

 

عامٌ في الغربة، التي تصبح تدريجياُ، أحياناً، مثل وطن. لكنفي أوقات، أشعر بالانكسار والدمار من الداخل، لأنها في الحقيقة  ليست وطن، بل أنني أعيش خدعة. اخترعتٌ كذبةً حتّى أعيش.  بعد عام، وعندما عدتٌ إلى بلدي المأوى، الأساس والأصل حيثُ عشتُ طيلة العمر، جاءتني صدمة غربة أخرى.

أكانت الناس في البداية؟ أم كان النسيم؟ أيهما كان البادئ ليشعرني بغربتي في بلدي؟ استلمتُ حقيبتي، وأمام مرآي ناسي، نساء بعباءات سوداء ونقاباتٍ لا تظهر إلا أعينهن، ورجال لم يلبسوا الأبيض بعد ولكن سحنتهم، شعرهم، أجسامهم، ولهجاتهم الحميمة، تقول لي أنني عدتُ.

وخرجتُ لألتقي والدي، سعيداً بقدومي للغاية، وأنا، في دهشتي لا أزال، حاولتُ اصطناع ابتسامة، ودمعة شوق. هل من المعيب أن أقول إنني لم أتحدّث قط حينها؟ وأنّ الشيء الوحيد الذي قلتُه: الجو بارد.

وأنّ البرد كان جديداً عليّ، كأنّي لم أعشه يوماُ. وأنني طيلة الطريق المظلم/ الموحش إلى المنزل كنت أبكي ضياعاً. وقتُها عرفتُ أنني بلا وطن.

كلّما رأيتُ الشوارع الـ غدت جديدة في مرآي. كلما رأيتُ بشراً، الـ يتحدّثون لغةً أتذكّرها. والأسوأ، كلما رأيتُ جدارا، حديقة، مطعما، أو بناء جديداً، وسألتُ أبي عنه، ليقول غير مكترث " من زمان سووه، صار له كم شهر يا بتي". وقتُها أغلقت عينيّ، وازداد قلبي انقباضاً.

في المنزل، شبكتُ في حضن أمي، أبكي بهدوء. ليس شوقاً، ولكنني حينها أيقنتُ أنّ ما من أرضٍ هي الوطن، وإنّما، وحده حضن أمي هو الوطن.

 

3may2009

maastricht



<<الصفحة الرئيسية